تخيلوا عائلة فيها 43 أخاً لهم عشرات الأولاد ومئات الأحفاد، كل واحد منهم على ثقة بأنه يستحق أن يكون الملك. فلنتوقف عن الخيال هذا بالضبط هو وضع العائلة المالكة السعودية. الطريقة السعودية التقليدية تنص على أن الإرث ينتقل بين الأخوة، أي بين أبناء مؤسس المملكة، عبد العزيز بن سعود. هذه خدمت هدفها، لكن تم تغييرها في 2007. في حينه شكل الملك عبد الله «مجلس الوصاية»، وهو نوع من المنتدى العائلي الذي بيديه سلطة انتخاب ولي العهد وتعيين الملك. عبد الله لم ينفذ قراره واختار بنفسه وليين للعهد له شقيقه الأمير سلطان والأمير نايف اللذين توفيا بسبب المرض والشيخوخة قبل حصولهما على فرصة الوقوف على رأس العائلة المالكة.
قرار عبد الله تغيير طريقة الوراثة، وبعد ذلك قراره تعيين الأمير مقرن في منصب نائب رئيس الحكومة، بصورة تقليدية، هي خشبة القفز لمنصب الملك، التي أغضبت أبناء الفرع السديري في العائلة المالكة. هؤلاء هم أبناء الأميرة حصة بنت أحمد السديري، إحدى النساء البارزات للمؤسس ابن سعود. هؤلاء الأمراء شعروا أن الملك عبد الله يحاول إبعادهم عن الحكم وتقوية أقسام أخرى في العائلة المالكة. كلما مر الوقت والملك العجوز اقترب من نهايته، ازدادت قوة النار التي تلتهب تحت الأرض. عبد الله توفي في كانون الثاني 2015، وسلمان الذي ينتمي للأمراء السديريين، توج ملكاً استناداً إلى عمره. معسكره سارع للعمل ضد باقي أجزاء العائلة: حتى قبل أن يتم تبريد جثة عبد الله، قام سلمان بإقالة أبناء الملك الميت من وظائفهم كحكام لمكة والرياض. بعد ذلك أقيلت شخصيات كبيرة أخرى من بلاط الملك الميت، وولي العهد الأمير مقرن فقد مكانته في دور الولاية. من جاء بعده في الدور حسب الطريقة القديمة هو الأمير أحمد، الذي ذهب إلى المنفى الاختياري في لندن. بعد سنتين من الهزات في المملكة منذ موت عبد الله وحتى بداية العام 2017، تولى بصورة استثنائية محمد بن سلمان وظيفة ولي العهد. الملك سلمان وابنه محمد ظهرا في مسار أمن لطرد خصومهما من مواقع القوة، على الأقل حتى انفجار قضية الخاشقجي. عدد من أبناء العائلة المالكة اشتموا فرصة للتخلص من حكم سلمان وإعادة ابنه إلى حجمه المناسب، حسب رأيهم. تحت اسم «كتلة المتحالفين من أجل سلطة سوية» نشروا إعلان تأييد للأمير أحمد، شقيق الملك، ودعوا إلى وضعه على رأس الحكم إلى أن يقرر الشعب في السعودية بخصوص مستقبله. كان هذا العرض العلني الأول لمعارضة داخل العائلة المالكة، التي خافت من أن سلوك ابن سلمان سيدفع السعودية إلى مصادمة غير عادية مع دول الغرب. إذا زادت الأصوات في العائلة التي تدعو إلى استبدال ابن سلمان، فمن شأن العائلة أن تجد نفسها في خلاطة باطون سيقوم ولي العهد بتشغيلها. ابن سلمان سبق وأثبت قدرته على تكسير الأدوات في الصراع مع الخصوص عندما اعتقل عشرات الأمراء ورجال الأعمال وابتز الأموال منهم مقابل إطلاق سراحهم.
حسب ما هو معروف، فإن قادة الجيش والمخابرات التي قام ابن سلمان بتعيينهم في السنة الماضية، يقفون إلى جانبه، وهو يحظى بدعم غير محدود من الرئيس ترامب. ابن سلمان يمكنه الاعتماد على دعم الجيل الشاب في العائلة المالكة، الجيل الذي فقد الصبر إزاء تعيينات متكررة لعجائز ومرضى في منصب الملك وطالب بتعيين ملوك من بينه. ابن سلمان الشاب يمثل أبناء هذا الجيل، لكنه أيضاً يمثل الفرع العائلي غير المحبوب بشكل خاص في أوساط فروع أخرى في العائلة، الذين يشعرون بأنهم مقصون عن الوظائف الكبيرة في الحكم. كل محاولة لعزل محمد بن سلمان من الحكم ستعتبر تمرداً وخيانة لتقاليد العائلة، طالما أن هذا التقليد قائم. من الواضح للجميع أن محاولة كهذه تكفي ابن سلمان من أجل القيام بحملة تطهير شاملة ضد معارضيه، التي لا أحد يعرف إلى أين ستجر السعودية وكيف ستؤثر على علاقاتها مع باقي العالم. ابن سلمان يبذل الآن جهوداً كبيرة لإنقاذ نفسه بسلام من قضية الخاشقجي، لكنه تحول إلى أمير قابل للإصابة في العائلة التي لم تظهر حتى الآن التسامح تجاه ملوك وأمراء أخطأوا. ربما أنه من وجهة نظرها ارتكب خطأ واحداً كبيراً.